حيدر حب الله
16
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
العددية له لا تستطيع هذه الوحدة في حدّ نفسها منع وجود ثانٍ له في الغرفة ، بل هي إذا ثبتت له تثبت له الوحدة لا ضرورة الوحدة واستحالة الثاني ، فذاته لا تُلزم بوحدته وإذا لزمت وحدته فمن غيره . هنا تقع براهين القائلين بأصالة الماهية وسائر المتكلّمين ، فبراهينهم على الوحدانية - من وجهة نظر القائلين بأصالة الوجود - لا تجعل ذات الباري تعالى تثبت لها الوحدانية بالضرورة ، بل هي تثبت من الخارج ، كاستحالة التسلسل أو الدور أو لاستلزام التعدّد فساد العالم ( برهان التمانع بصيغته القديمة ) ، وغير ذلك . أمّا الوحدة الحقّة الحقيقيّة ، فتعني أنّ الواحد لا ثاني له ، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ ؛ لأنّ فرض ثانٍ غيره خلف كونه واحداً بالوحدة الحقة الحقيقيّة من الأوّل ، وخلف ذاته عينها ، إذ تعني محدودية وجوده ، وهو محال على الله . وهنا بدأت رحلة إثبات وحدانية الله بالوحدة الحقّة وفقاً لأصالة الوجود ، حيث قيل بأنّ حقيقة الوجود لا تقبل العدم ؛ إذ الشيء لا يقبل نقيضه ، فليس في حقيقة الوجود عدم ، والموجود من حيث هو موجود لا يقبل العدم ، وإذا لم يكن في حقيقة الوجود عدم ، فلا يمكن أن يكون في حقيقة الوجود محدودية ؛ لأنّ المحدودية ليست إلا عدماً عندهم ، فالوجود المحدود هو وجود إلى جانب عدم وجود ، الأمر الذي انتزعنا منه فكرة الوجود المحدود فعندما يكون هناك وجود محدود ، فهذا يعني أنّه موجود في مكان مثلًا ( وهذا مجرّد تمثيل وتبسيط للقضية بمثال مكاني ) وغير موجود في مكان آخر ، فالوجود والعدم اجتمعا - إذا صحّ التعبير - لنخرج منهما صورة الوجود المحدود ، وعليه فحقيقة الوجود لا تقبل العدم ، إذن فلا تقبل المحدوديّة ، وإذا كانت لا تقبل